الشيخ الطبرسي
33
تفسير مجمع البيان
يتعرض له بسوء . وإنما قيل ذو القعدة : لقعودهم فيه عن القتال . وقيل في تقديره وجهان أحدهما : إنه قتال شهر الحرام أي : في الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام ، فحذف المضاف ، وأقام المضاف إليه مقامه . وقيل : إنه الشهر الحرام على جهة العوض لما فات في السنة الأولى ، ومعناه : الشهر الحرام ذو القعدة الذي دخلتم فيه مكة ، واعتمرتم وقضيتم منها وطركم في سنة سبع ، بالشهر الحرام ذي القعدة الذي صددتم فيه عن البيت ومنعتم عن مرادكم في سنة ست . ( والحرمات قصاص ) قيل فيه قولان أحدهما : إن الحرمات قصاص بالمراغمة بدخول البيت في الشهر الحرام . قال مجاهد : لأن قريشا فخرت بردها رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " عام الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام ، فأدخله الله مكة في العام المقبل في ذي القعدة ، فقضى عمرته وأقصه بما حيل بينه وبينه وهو معنى قتادة والضحاك والربيع وعبد الرحمن بن زيد . وروي عن ابن عباس وأبي جعفر الباقر مثله والثاني : إن الحرمات قصاص بالقتال في الشهر الحرام أي : لا يجوز للمسلمين إلا قصاصا . قال الحسن : إن مشركي العرب قالوا لرسول الله : أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام ؟ قال : نعم . وإنما أراد المشركون أن يغروه ( 1 ) في الشهر الحرام فيقاتلوه ، فأنزل الله هذا أي : إن استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئا ، فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم ، وبه قال الزجاج والجبائي . وإنما جمع الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر ، وحرمة البلد ، وحرمة الإحرام . وقيل : لأن كل حرمة تستحل فلا يجوز إلا على وجه المجازاة . ( فمن اعتدى عليكم ) أي : ظلمكم ( فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) أي : فجازوه باعتدائه وقابلوه بمثله والثاني ليس باعتداء على الحقيقة ، ولكن سماه اعتداء لأنه مجازاة اعتداء ، وجعله مثله وإن كان ذلك جورا وهذا عدلا ، لأنه مثله في الجنس ، وفي مقدار الاستحقاق ، ولأنه ضرر كما أن ذاك ضرر فهو مثله في الجنس والمقدار والصفة ( واتقوا الله ) فيما أمركم به ، ونهاكم عنه ( واعلموا أن الله مع المتقين ) بالنصرة لهم ، أو يريد أن نصرة الله معهم . وأصل ( مع ) المصاحبة في المكان أو الزمان . وفي هذه الآية دلالة على أن من غصب شيئا وأتلفه ، يلزمه رد مثله . ثم إن المثل قد يكون من طريق الصورة في ذوات الأمثال ، ومن طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له .
--> ( 1 ) وفي جملة من النسخ : " يغتروه " بدل " يغروه " .